الشنقيطي
48
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بفساد في الأرض ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر ، فبين أن قتل النفس بالنفس جائز ، في قوله : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] الآية ، وفي قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] ، وقوله : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [ الإسراء : 33 ] الآية . واعلم أن آيات القصاص في النفس فيها إجمال بينّته السنة ، وحاصل تحرير المقام فيها أن الذكر الحر المسلم يقتل بالذكر الحر المسلم إجماعا ، وأن المرأة كذلك تقتل بالمرأة كذلك إجماعا ، وأن العبد يقتل كذلك بالعبد إجماعا ، وإنما لم نعتبر قول عطاء باشتراط تساوي قيمة العبدين ، وهو رواية عن أحمد ، ولا قول ابن عباس : ليس بين العبيد قصاص ، لأنهم أموال . لأن ذلك كله يرده صريح قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ [ البقرة : 178 ] الآية ، وأن المرأة تقتل بالرجل ، لأنها إذا قتلت بالمرأة ، فقتلها بالرجل أولى ، وأن الرجل يقتل بالمرأة عند جمهور العلماء فيهما . وروي عن جماعة منهم علي ، والحسن ، وعثمان البتي ، وأحمد في رواية عنه أنه لا يقتل بها حتى يلتزم أولياؤها قدر ما تزيد به ديته على ديتها ؛ فإن لم يلتزموه أخذوا ديتها . وروي عن علي والحسن أنها إن قتلت رجلا قتلت به ، وأخذ أولياؤه أيضا زيادة ديته على ديتها ، أو أخذوا دية المقتول واستحيوها . قال القرطبي بعد أن ذكر هذا الكلام عن علي رضي اللّه عنه ، والحسن البصري ، وقد أنكر ذلك عنهم أيضا روى هذا الشعبي عن علي ، ولا يصح لأن الشعبي لم يلق عليا . وقد روى الحكم عن علي ، وعبد اللّه أنهما قالا : إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود ، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي ؛ وقال ابن حجر في [ فتح الباري ] في باب سؤال القاتل حتى يقر ، والإقرار في الحدود بعد أن ذكر القول المذكور عن علي والحسن : ولا يثبت عن علي ، ولكن هو قول عثمان البتيّ أحد فقهاء البصرة ويدل على بطلان هذا القول أنه ذكر فيه أن أولياء الرجل إذا قتلته امرأة يجمع لهم بين القصاص نصف الدية ، وهذا قول يدل الكتاب والسنة على بطلانه ، وأنه إما القصاص فقط ، وإما الدية فقط ، لأنه تعالى قال : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] ثم قال : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ [ البقرة : 178 ] الآية ، فرتب الاتباع بالدية على العفو دون القصاص . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من قتل له قتيل فهو بخير النظرين » الحديث ، وهو صريح في عدم الجمع بينهما ، كما هو واضح عند عامة العلماء ؛ وحكي عن أحمد في رواية عنه ، وعثمان